يرى وان نعيم وان منصور، في مقال رأي نشره موقع ميدل إيست مونيتور، أن تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي بشأن “أحقية” إسرائيل في السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية المحتلة تمثل تحوّلاً خطيراً يتجاوز زلة لسان دبلوماسية، ويبعث بإشارة سياسية ذات أبعاد استراتيجية في صراع يمتد منذ 78 عاماً.
من زلة دبلوماسية إلى إشارة سياسية
يعتبر الكاتب أن قول هاكابي، خلال مقابلة إعلامية، إنه “لا بأس لو أخذوا كل شيء” لم يأتِ عرضاً، بل حمل دلالة سياسية واضحة. فعلى مدى عقود، دعمت إدارات أميركية متعاقبة رسمياً حل الدولتين عبر التفاوض، رغم تناقض التطبيق أحياناً مع الوقائع على الأرض. شكّل هذا الموقف مرساة دبلوماسية أكدت أن الاحتلال لا يساوي السيادة، وأن النزاعات الإقليمية تحتاج إلى تفاوض لا إلى ضم.
لكن تصريح هاكابي، بحسب المقال، يقوّض هذه المرجعية. حين يقرّ سفير أميركي بإمكانية السيطرة الشاملة على الأرض المحتلة، تتلقى المنطقة رسالة مفادها أن التزام واشنطن بحل الدولتين لم يعد موثوقاً.
جاء الرد سريعاً وموحداً على نحو غير مألوف. دعا وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي إلى اجتماع طارئ في جدة لإدانة إجراءات إسرائيل في الضفة الغربية، بما في ذلك إعادة تصنيف الأراضي تحت مسمى “أملاك دولة”. كما وجّهت جامعة الدول العربية انتقاداً مباشراً، ووصفت التصريحات بأنها متطرفة وتصعيدية. وطالبت منظمات مدنية، مثل “داون”، بإقالة هاكابي.
ضم تدريجي وتآكل حل الدولتين
يربط الكاتب بين تصريحات هاكابي ومسار ميداني يتسارع في الضفة الغربية، حيث تتواصل توسعة المستوطنات وإعادة تعريف الأراضي قانونياً لترسيخ السيطرة الإسرائيلية. لا يأتي الضم، كما يقول، بمرسوم مفاجئ، بل عبر خطوات إدارية وتنظيمية متراكمة تغيّر الطابع القانوني والسياسي والديمغرافي للأرض.
في هذا السياق، يمنح تصريح السفير الأميركي غطاءً سياسياً لمسار قائم بالفعل، ويعزز تصوراً بأن واشنطن تتقبل، إن لم تكن تؤيد، هذا التوجه. بذلك لا يسرّع الخطاب تآكل حل الدولتين فحسب، بل يدفعه نحو إعلان غير مباشر بموته.
تحوّل في الرأي العام الأميركي
لا يقتصر التحول على المنطقة، بل يمتد إلى الداخل الأميركي. يشير المقال إلى تراجع ملحوظ في تعاطف الأميركيين مع إسرائيل، خصوصاً بعد الحرب على غزة. تظهر استطلاعات رأي انخفاضاً غير مسبوق في الدعم، مع تصاعد الانتقادات داخل الحزب الديمقراطي وبين الشباب، بل وظهور أصوات متشككة داخل التيار الجمهوري المرتبط بشعار “أميركا أولاً”.
تتبنى بعض هذه الأصوات مقاربة انعزالية، ترى أن دعم إسرائيل يجرّ الولايات المتحدة إلى نزاعات خارجية لا تخدم مصالحها المباشرة. ورغم أن هذا التوجه لا ينطلق من تضامن مع الفلسطينيين، فإنه يعكس اهتزازاً في إجماع طالما بدا راسخاً.
في الوقت نفسه، اعترفت دول غربية عدة بدولة فلسطين أو أعلنت خطوات في هذا الاتجاه، ما يزيد عزلة واشنطن في موقفها المعارض لهذه التحركات. يرى الكاتب أن اعتماد إسرائيل المتزايد على الحماية الدبلوماسية الأميركية يضع العلاقة الثنائية أمام لحظة إعادة تقييم عميقة.
مخاطر إعادة رسم الخطوط الحمراء
يصف المقال خطاب هاكابي بأنه نوع من “سياسة حافة الهاوية”، أي دفع الأوضاع المتوترة إلى أقصى حدودها لاختبار ردود الفعل. لكن هذا النهج، وفق الكاتب، يهدد مبدأ أساسياً في النظام الدولي بعد عام 1945: حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. فإذا تآكل هذا المبدأ في حالة فلسطين، يتآكل في أماكن أخرى، من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي.
كما يضيّق الخطاب المتشدد مساحة الحلول السياسية، ويقوّي المتطرفين على جميع الأطراف، فيما يتراجع المعتدلون. حين يقترب الخطاب الدبلوماسي من تبني الضم الدائم، لا يختبر حدود التوافق فحسب، بل يعيد رسمها.
يخلص الكاتب إلى أن الحفاظ على أي أفق لتسوية تفاوضية يتطلب وضوحاً أميركياً لا لبس فيه. فالصمت يُفهم قبولاً، والتناقض بين التصريحات والسياسة المعلنة يفرض مساءلة. ويؤكد أن الدعوات لإقالة هاكابي لا تحمل طابعاً استعراضياً، بل تسعى إلى إعادة تأكيد أن خطاب الضم لا يعبّر عن جوهر الدبلوماسية الأميركية.
في لحظة تتصاعد فيها التوترات الإقليمية ويتبدل المزاج الدولي، يقف التحالف الأميركي الإسرائيلي أمام منعطف حساس. وقد تثير لغة المواجهة حماسة أيديولوجية آنية، لكنها نادراً ما تبني سلاماً دائماً. فور ما تُعاد رسم الخرائط سياسياً وخطابياً، يصعب إعادتها إلى ما كانت عليه.
https://www.middleeastmonitor.com/20260224-huckabees-zionist-dogma-set-to-destroy-the-middle-east/

